الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
51
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ورددت يوسف - عليه السّلام - بين صنفين من العقاب ، وهما : السجن ، أي الحبس . وكان الحبس عقابا قديما في ذلك العصر ، واستمر إلى زمن موسى - عليه السّلام - ، فقد قال فرعون لموسى - عليه السّلام - : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ سورة الشعراء : 29 ] . وأما العذاب فهو أنواع ، وهو عقاب أقدم في اصطلاح البشر . ومنه الضرب والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء . وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مرارا . وجملة قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي من قول يوسف - عليه السّلام - ، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها . ومخالفة التعبير بين أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ دون أن يقول : إلا السجن أو عذاب ، لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن ، فقوله : أَنْ يُسْجَنَ أوضح في تسلط معنى الفعل عليه . وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر ، وهو قصر قلب للرد عليها . وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته ، وهو الذي شهد وكان فطنا عارفا بوجوه الدلالة . وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف - عليه السّلام - على سيدته أو دحضه . وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قبل ، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض . ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه ، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقا وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص . والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلا على صدقها فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف - عليه السّلام - . وجملة إِنْ كانَ قَمِيصُهُ مبينة لفعل شَهِدَ . وزيادة وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ بعد فَصَدَقَتْ ، وزيادة وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ بعد فَكَذَبَتْ تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو شأن الأحكام . وأدوات الشرط لا تدل على أكثر من الربط والتسبب بين مضمون شرطها ومضمون جوابها من دون تقييد باستقبال ولا مضي . فمعنى إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ